بقلم: (عزو مصطفى)
كانت الحياة تبدو رائعة بالنسبة للزوجين الجديدين اللذين رُزقا بطفلة رائعة، كانت أحسن هدية يتوج بها زواج
هذين الحبيبين. "آية" اسم جميل اختارته أمها لها، فقد كانت تحتفظ بهذا الاسم منذ أن كانت في الثانوية. زينت آية حياة والديها وعائلتها، فقد كانت تبدو رائعة الجمال، وكانت أمها لا تشبع من النظر إلى وجهها المشرق الذي أصبح حديث عائلتها وصديقاتها. كانت أمها تتوجس خيفة أن تصاب بالعين، فجمالها يجذب كل من يراها.
بدأت آية في المشي، كم كانت أمها سعيدة وهي تراقب زهرة حياتها تنمو وتزداد جمالاً. إنها فتاة هادئة، لم تعانِ كثيراً في تربيتها، فهي تلك الفتاة الهادئة التي تزين حياة كل شخص تقابله. تسلقت آية درجات الحياة وجمالها يزداد يوماً بعد يوم، وكان أجمل ما فيها شعرها ورشاقتها. دخلت المدرسة أول مرة، فرح والداها أن ابنتهما بدأت تكبر وتتعلم. كانت حياة آية رائعة، لم تجد أي صعوبة في التجانس وكسب مكانة خاصة لدى الجميع داخل المدرسة، فهي فعلاً كانت مميزة وجميلة جداً، مما دفع والدتها لتكون رفيقتها في أي خطوة ولا تتركها أبداً.
كان الحي الذي تعيش فيه آية حيّاً تسكنه الطبقة المتوسطة، وأغلبهم موظفون وأساتذة. كان بعض أطفال هذا الحي هم أصدقاءها، وكان من بينهم "بدر"، ذلك الطفل المهذب الخلوق الذي لا يتحدث إلا نادراً. كانت أمه أستاذة، لكنه يعيش معها لوحدهما، فوالده قد توفي منذ سنوات قليلة، وكانت أمه تبذل كل ما في وسعها حتى يعيش حياة سعيدة. استمرت الحياة وبدأت آية تنتقل من سنة إلى أخرى دون عناء، وكذلك بدر كان ينجح دائماً في إحدى الرتب الثلاث الأولى.
بلغ الطفلان المستوى الإعدادي، وبدأت شخصية آية تتضح للآخرين، فقد أصبحت فتاة متكبرة تتحدث مع الآخرين بتعجرف، وأصبحت تغتر بجمالها؛ فكيف لا وقد كبرت معها فكرة أنها أجمل الفتيات وأن الجميع يبحث عن إرضائها؟ بينما كان بدر طفلاً رائعاً ومهذباً، كان على عكس أقرانه لا يلعب كثيراً، وكانت هوايته تعلم فنون الدفاع تغنيه عن بقية الأشياء الأخرى.
انتقل كل من آية وبدر إلى الثانوية، وكان من الصدف أن يجمعهما الصف نفسه. لم تكترث آية للأمر ولا بدر أيضاً، رغم أنه كان ينظر إليها مختلس النظر، لكنه كان لا يظهر ذلك، فهو يعرفها ويعرف طبعها وتكبرها، وليس بحاجة لأن يحس بشيء من هذا. كان بدر يزداد تفوقاً في الدراسة، وكانت آية تنجح فقط من أجل النجاح ليس أكثر؛ لأن الجميع يتربص بها حتى أصبحت حديث المؤسسة، وأصبح جمالها غير عادي. كانت تخرج من الثانوية وتجد والدتها تنتظرها، وكان أغلب الشباب قد حاول لفت انتباهها، بل هناك من الأساتذة الشباب الذين حاول بعضهم عرض الزواج عليها. كانت طموحات آية تكبر معها وهي لا تفكر بموظف أو شاب فقير، بل تريد شيئاً أكبر من ذلك. أصبح والدا آية يجدان صعوبة في ضبط تصرفاتها، فقد أصبحت مهووسة بقامتها وجمالها ومكياجها رغم سنها الصغير.
وصلت السنة النهائية، كان بدر يجتهد فهدفه أن يدخل كلية الطب، وبدأت تتقاطر على آية عروض من هنا وهناك، لكن والديها كان شرطهما إتمام دراستها ولها أن تختار ما تريد. لاحظ بدر أن آية بدأت تتحدث إليه وتتقرب منه، لم يفهم الأمر؛ فكيف لهذه الفتاة الرائعة الجمال أن تتقرب مني هكذا؟ كان يقول في نفسه. بدأت تجالسه بل وتتقاسم معه طاولة الدراسة، استغرب بدر لكنها فاتنة، انجرف معها وبدأ يفكر فيها ويحلم بها، لكن هذا لم يؤثر عليه قط.
كانت الامتحانات النهائية تقترب، حينما تفاجأ بدر في أحد الأيام بخالته تخبره أن والدته ترقد في المستشفى. ذهب إليها بسرعة فتفاجأ أن طبيبها يخبره أن والدته تحتضر، فهي مريضة بالسرطان منذ مدة ولم تشأ أن تخبره حتى ينهي دراسته. كانت صدمته قوية جداً، وبعد يومين توفيت والدته وأصبح وحيداً يعيش لوحده في منزل أمه التي تركت له مبلغا من المال ليتدبر به أموره حتى ينهي دراسته. كانت هذه الحادثة بمثابة نقطة تحول في حياته، فلم يستطع بدر تحمل الأمر بل رفض كل شيء. حاول أن يتصل بآية لعلها تخفف من حزنه لكنها لا تجيبه. عاد إلى المدرسة بعد مدة تغيب طويلة، وبعد إلحاح من أساتذته الذين قاموا بزيارته، دخل الفصل وجلس وانتظر أن تأتي آية للجلوس إلى جانبه ومواساته، لكنها لم تفعل، بل جاء جميع زملاؤه وقاموا بتعزيته إلا هي. استغرب وبدأ يسأل نفسه: لماذا؟
كان عازماً ليعرف سبب تغير تصرفاتها، انتظرها فخرجت وسط مجموعة من الفتيات، فقام بمناداتها فنظرت إليه بتكبر وقالت له: "ماذا تريد؟"، فسألها: "لماذا لم تجلسي بجانبي؟ لماذا لم تواسيني؟ لماذا..."، فضحكت آية وهي تقول له إنها كانت تحاول استغلاله في الامتحانات، وهذا سبب جلوسها بجانبه، أما الآن فقد أصبح يتيماً بل ولا يستطيع حتى النجاح بمعدل ضعيف، فماذا ستجني من ورائه؟ كانت كلماتها تتساقط عليه كالنبال، كان يتألم من الداخل وزادت ضحكات زميلاتها من ألمه، لكنه استفاق ورأى خبثها الذي يختبئ وراء جمالها.
انطلق مسرعاً نحو منزله وبدأ يسترجع ذكريات أمه وحنانها ونصائحها. كاد أن يكون مغفلاً عندما ظن أنها ستحبه، فهي إنسانة انتهازية. عزم أن يكمل دراسته ويحقق حلم أمه، ضاعف مجهوداته وركز في دروسه وكان دائم الحضور، فكانت تنظر آية إليه وقد ندمت أنها كشفت أوراقها، فقد ظنت أنه انتهى ولن يعود إلى مستواه. حاولت مرة أخرى أن تستميله لكنه صدها بقوة فلم يحدثها، فهي مغرورة تظن أنها ستحصل على كل ما تريد. كان الخطاب يدقون منزل آية كل يوم وهي تتفنن في رفضهم وإهانتهم، وفي أحيان أخرى تطلب مبالغ خيالية حتى أصبحت معروفة بتكبرها.
انتهت السنة النهائية واحتل بدر الرتبة الرابعة، لكن معدله كفيل بأن يدخله إلى كلية الطب. تمكنت آية أيضاً من النجاح بطريقة أو بأخرى. افترقا وسلك كل واحد طريقه؛ فبدر دخل كلية الطب وتفوق فيها كعادته، وانطلقت آية في عالم الموضة والأزياء وبدأت تتهافت عليها المجلات وزاد غرورها بنفسها. كان بدر محبوباً جداً فقد نضج مبكراً لأن الحياة لم تكن رحيمة به. أنهى بدر دراسته وتخصص في طب التجميل، كان متميزاً ومتفوقاً في تخصصه. وكانت آية قد بدأ غرورها يدخلها في متاهات السهر والحفلات، فجمالها أسال لعاب كل من رآها.
ذات يوم، انتقل بدر إلى عيادته بسرعة بعدما اتصلت به ممرضته لتخبره أن رجلاً مهماً جاء بابنته والتي تعاني من حروق. عاينها بدر بكل دقة وطمأن والدها، كانت فتاة جميلة ومهذبة أصيبت بحروق في رجلها. كان الأمر صعباً لكن بدر أصر على الاعتناء بها، كان يمر عليها صباحاً ومساءً. كانت الفتاة تتحسن بسرعة وكان والدها سعيداً بذلك. استمر علاجها شهرين لأن الحروق كانت خطيرة، خلال هذه المدة توطدت علاقتهما وأصبحت "أحلام" رمزاً للحياة والسعادة بالنسبة لبدر. تطورت علاقتهما حتى وصلت إلى الزواج، كان الكل سعيداً، وكان والدها أسعد؛ رغم أنه علم أنه يتيم إلا أنه اعتبره ابناً له، فتمت خطوبتهما على أن يتزوجا في فصل الصيف.
كانت حياة آية تزداد سوءاً وكانت قد خسرت الكثير، فقد أعماها الطمع وأصبحت سلعة رخيصة بين الأثرياء يمررها أحدهم للآخر. كان بدر قد عرف معنى آخر للحياة، فأحلام إنسانة رقيقة وجميلة وكانت تحبه وتحترمه، وكان مشتاقاً للعيش معها تحت سقف واحد. في يوم جميل، استيقظ بدر صباحاً على رنين الهاتف، هذه المرة الشرطة أحضرت فتاة تعرضت للضرب والاغتصاب من مجموعة من الرجال في إحدى الشقق. أسرع بدر وبدأ يتفقد الضحية التي كانت تحت تأثير مخدرات، حاول رتق جروحها وإصلاح ما يمكن إصلاحه، كان وجهها منتفخاً من الضرب وكذلك كامل جسمها.
بدأ بدر يتأمل في هذه الفتاة حتى عرفها؛ إنها آية! يا إلهي، كيف حدث هذا؟ ما الذي أصابها؟ أخبره أحد رجال الأمن أنها تحترف الدعارة الراقية وقد وقعت بين يدي مجموعة من المرضى الذين اعتدوا عليها جماعة، وقد كان عددهم يفوق الخمسة. استغرب وتعجب وتذكر تكبرها واستعلائها على الناس، لكنه كتم الأمر واستمر في علاجها بكل تفانٍ وضمير. أفاقت آية وكان بدر يقف أمامها رفقة ممرضات ورجال الأمن وعائلتها، لم تستطع رفع رأسها من احتقار والديها لها. لم تتعرف على بدر في البداية فقد تغير شكله وأصبح أكثر وسامة ونضجاً. سألها رجال الأمن وانصرفوا، ثم دخل بدر وبدأ في استفسارها وكيف تحس، حتى استطاعت أن تتذكره. كانت لا تزال جميلة رغم كل ما حدث، ابتسمت رغم أنها لم تشأ أن تكون بين يدي أحد يعرفها. تبادلا الأسئلة وأعطاها ورقة الخروج لأنها ليست بحاجة للاستمرار داخل المستشفى.
استغربت كيف أصبح بدر هكذا، وبدأ غرورها يحدثها أنها تستطيع أن تظفر به، فهي الجميلة التي لا تقاوم. أعطاها بدر رقم هاتفه، فهذا ما يفعله مع مرضاه، ظنت أنه وقع في حبالها. مر أسبوع واتصلت آية ببدر تطلب رؤيته خارج المشفى، تردد لكنه قبل في الأخير. جاءت آية متأنقة ورائعة الجمال، انبهر بها بدر لكنه تذكر حبيبته أحلام. تحدثا في كل شيء ولم يخبرها عن خطبته، كانت آية تحاول استدراجه ليعبر لها عن حبه، قاوم بدر حتى انتهت السهرة.
كان زفاف بدر قريباً وكانت أحلام تستعد وهي في غاية السعادة. كان العرس في الغد عندما اتصلت آية لتطلب من بدر أن يلتقي بها، لكنه اعتذر، فكانت جرأتها أكبر من ذلك عندما أخبرته أنها تحبه، أنها تريده، وأنها ستتزوجه إذا أعطاها فرصة. لم يرفض بدر ولم يقبل كذلك لأنه كان في صدمة وحيرة من أمره؛ كيف لهذه الفتاة الرائعة الجمال أن تطلب ودي هكذا؟ إنها أجمل بكثير مما حلمت به. انقطعت المكالمة وقد أحست آية أن بدر وقع في شباكها.
https://nasiha-aarad.blogspot.com/بات بدر ليلته يتقلب وصورة آية لا تفارقه، لكنه يتذكر أحلام ورقتها. بدأ يجول في منزله ودخل غرفة نومه مع زوجته المستقبلية، فوجد ملابسها التي قد نقلتها إلى منزلها الجديد. "أحلام لا تستحق مني هذا"، كان يردد هذه الكلمات وتذكر والدته ونصائحها. استلقى فوق السرير ورائحة عطور أحلام تتطاير، استغرق في النوم حتى رن الهاتف، فإذا بآية تتصل به وتخبره أنها تحبه وأنها نامت فرحة جداً، أخبرته أنها تريد قضاء ليلة كاملة برفقته، لكنها هذه الليلة لا تستطيع فهناك أفراد من عائلتها سيكونون ضيوفاً عندهم ولا تستطيع ترك والدتها لوحدها، كما أنها أخبرته أن حياتها تغيرت وأصبحت إنسانة صالحة ونقية. صمت بدر كعادته واستغرق في أحلامه، لكنه قرر أن يحضر زفافه وبعد ذلك فلتسير الأمور كيفما شاءت الأقدار.
كان القصر الذي ستقام فيه حفلة الزفاف رائعاً وأسطورياً، كان الجميع سعيداً بمن فيهم والد أحلام، كانت هي رائعة الجمال وتزينت لزوجها. كانت الأمور تسير كما ينبغي، بدأ الغناء والصخب وتوالت فقرات الاحتفال، كان العرس يحضره أغنياء البلد وشخصيات مهمة؛ يا له من حلم يتحقق بالنسبة لبدر! كانت إحدى الفقرات التي يحبها الأغنياء وهي الرقص الشرقي. دخلت الراقصة حلبة الرقص فصعق بدر... إنها آية! يا إلهي، كيف أمكنها أن تخدعني مرة أخرى؟ كيف لي أن أنخدع بهذه السهولة؟ نظر لزوجته وكاد أن ينهار، لكنه قال في نفسه: لقد حفظه ربه وانكشفت أمامه هذه الإنسانة، فليعش حياته.
بدأت آية تتمايل وهي شبه عارية واقتربت من منصة الزوجين فوقعت عينها على بدر، فتوقفت عن الرقص ثم سقطت مغشياً عليها. تجمهر الناس حولها، لكن صاحب القصر لم يشأ أن تضيع كل مجهوداته بسبب راقصة فقدت وعيها، حملها الخدم إلى الخارج واستمر الحفل. استوعب بدر الموقف بسرعة ونظر إلى زوجته وأمسك يدها بقوة وابتسم لها وقبلها في جبينها. الآن أدرك أن طريقه كانت صالحة وأن دعوات أمه كانت تحيطه من كل جانب، وأن الكبر والغرور طريق الفناء والذل.
عالمي♥️😍😍
ردحذف